الحكيم الترمذي

492

ختم الأولياء

السلام ! إذ العقل لا يهتدي اليه اهتداءا تطمئن ( الأصل : يطمئن ) به القلوب ، وترتفع عن صاحبه الريب والشكوك . ولا سبيل له في معرفة الحق ؛ غير أنه ينظر في الممكنات ويستدل بها على موجدها ، وهو الحق سبحانه وعظم سلطانه ، وعلى حدته ووجوبه وعلمه وقدرته . لا يعلم من صفاته التشبيهية الا هذا القدر ؛ ومن صفاته التنزيهية انه ليس بجسم ولا جسمانيّ ولا زماني ولا مكاني ، وأمثال ذلك . وليس هذا الاستدلال الا من وراء حجاب . « ومثل هذا المستدل كمثل من يرى ظل الشخص القايم في الشمس وهو في البيت لا يراه ؛ يعلم يقينا ان ثمّة شخصا انسانيا قايما ، لكنه لا يعلم من هو وما شكله وهيئته ، وما نعته وصفته ؟ لعدم شهوده إيّاه . فهو كأعمى يلمس شيئا ، فيدرك بآلة لمسه بعض صفات ملموسه ، ولا يشاهده ولا يعلم حقيقته ولا جميع صفاته . فأصحاب المعقول ( الأصل : العقول والتصحيح من نسخة بيازيد ) ( هم ) كالذين قال تعالى فيهم : « أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ » . لأنهم يجعلون الحق بعيدا عن أنفسهم ، خارجا عن الممكنات كلها ، فردا واحدا ، مشخصا ، ممتازا عن جميع ما سواه ، صدر عنه ( الأصل : منه ، والتصحيح من نسخة بيازيد ) الموجودات الممكنة . والحق - سبحانه ! - يخبر عن نفسه انه « قريب » بقوله : « وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ » « وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ » « وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ » . بل يخبر انه « هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ » . وفي هذا الاخبار جعل نفسه عين كل ما ظهر وما بطن ، وهو اعلم بذاته من ( الأصل : عن ، التصحيح ثابت في نسخة بيازيد ) غيره . وقوله صادق ، والايمان به واجب . والقرب هنا ، وان كان غير القرب الذي يكون بين الجسمين ، لكنه كالقرب بين الحقيقة وما يتعين منها من الأفراد . ويظهر سرّ هذا المعنى لمن يظهر له سرّ قوله تعالى : « وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ » « فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ » . « فالاهتداء إليه ينال إما باخباره تعالى عن ذاته وصفاته وأسمائه ، أو بتجليه لعباده واشهاده نفسه لهم . « وجل جناب الحق عن أن يكون شريعة لكل وارد أو يطلع عليه الا واحد بعد واحد ! » فهم الأنبياء والأولياء ، عليهم السلام ، الذين هم خلاصة خاصة أهل الوجود . فوجب لطالب الحق اتباعهم والاهتداء بهم . قال تعالى : « قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ » . وبقدر متابعته للأنبياء والأولياء تظهر ( الأصل : يظهر ) له الأنوار الإلهية والاسرار الربانية . « والنبوة ، لغة ، مأخوذة من النبأ وهو الخبر . وفي الاصطلاح هي البعثة ، للاخبار من اللّه ، ارشادا للعباد واهتداء لهم طريق السداد . وهي عامة وخاصة . ونعني بالنبوة العامة ما لا يكون مقرونا بالرسالة والشريعة . . . . وبالخاصة ما يكون مقرونا بذلك ( الأصل : ما لا يكون كذلك ) . ( ف ) الأولى ، كنبوة الأنبياء الذين كانوا داخلين في شريعة موسى ، صلوات اللّه عليهم أجمعين ! فإنه ، عليه السلام ، كان مبعوثا بالرسالة والشريعة ، وغيره من أنبياء زمانه ، كهارون ويوشع وغيرهما ، كانوا تحت أمره وطوع حكم شريعته ؛ منبئين عن الحق تعالى واسراره ، مخبرين عن الغيب وأنواره ، مرشدين العباد بحسب استعداداتهم واقتضاء زمانهم . والثانية ، كأولى العزم من الرسل ، صلوات اللّه عليهم أجمعين ! الظاهرين بالرسالة والشريعة والكتب الإلهية .